ما هي النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs)؟ شرح مبسط للمبتدئين

سلسلة الذكاء الاصطناعي للمبتدئين / المقال (7 من 30)

مرحبًا بكم أعزائي القراء في سلسلة “الذكاء الاصطناعي للمبتدئين” التي تقدمها مدونة النائب للعلوم والتكنولوجيا. تهدف هذه السلسلة إلى شرح مفاهيم الذكاء الاصطناعي وأدواته وتطبيقاته بلغة عربية مبسطة، لتكون مرجعًا للقارئ العربي في هذا المجال المتطور.

عزيزي القارئ لنبدأ من تجربة تعرفها: عندما تسأل ChatGPT سؤالًا فيجيبك، أو تطلب منه تلخيص نص أو كتابة رسالة، فما التقنية التي تمكّنه من التعامل مع اللغة بهذه الطريقة؟ ومن هنا ندخل إلى مفهوم LLM.

ما هي النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs)؟ شرح مبسط للمبتدئين

ربما استخدمت ChatGPT يومًا لكتابة رسالة، أو تلخيص مقال، أو ترجمة نص، أو الإجابة عن سؤال، ولاحظت أنه يستطيع التعامل مع اللغة بطريقة تبدو طبيعية إلى حد كبير.

لكن ما التقنية التي تقف وراء هذه القدرة؟

أحد أهم الأجوبة هو: النماذج اللغوية الكبيرة (Large Language Models – LLMs)، وهي من التقنيات الأساسية التي تقف وراء كثير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي نستخدمها اليوم.

فما هذه النماذج؟ وكيف تتعلم؟ وكيف تستطيع توليد إجابات تبدو وكأنها مكتوبة بواسطة إنسان؟

لنبدأ من الأساس.

ما المقصود بالنماذج اللغوية الكبيرة (LLMs)؟

النموذج اللغوي الكبير Large Language Model هو نموذج من نماذج الذكاء الاصطناعي يُدرَّب على كميات ضخمة من البيانات، ليتعلم الأنماط والعلاقات الموجودة في اللغة، ويصبح قادرًا على معالجة النصوص وتوليدها وتنفيذ مجموعة واسعة من المهام اللغوية.

ويمكن فهم الاسم Large Language Models من كلماته الثلاث:

  • نموذج (Model): نظام رياضي وحاسوبي يتعلم أنماطًا من البيانات.
  • لغوي (Language): لأنه يتعامل بصورة أساسية مع اللغة والنصوص.
  • كبير (Large): لأنه يُدرَّب عادةً على كميات هائلة من البيانات ويحتوي على عدد كبير من المعاملات الداخلية التي تتحدد قيمها أثناء عملية التدريب.

كيف تعمل النماذج اللغوية الكبيرة ببساطة؟

عندما نكتب جملة، نراها نحن مجموعة من الكلمات ذات المعاني. أما النموذج اللغوي فلا يتعامل مع النص بالطريقة نفسها، بل يُقسَّم النص أولًا إلى وحدات أصغر تسمى الرموز (Tokens).

وقد يكون الرمز كلمة كاملة، أو جزءًا من كلمة، أو علامة ترقيم، بحسب النظام المستخدم في النموذج.

بعد ذلك يعالج النموذج هذه الرموز ويستفيد من الأنماط والعلاقات التي تعلمها أثناء التدريب لتحديد الرموز المناسبة التي يمكن أن تأتي بعدها.

فإذا كتبنا مثلًا: عاصمة فرنسا هي…

سيكون من المتوقع بدرجة كبيرة أن يأتي بعد ذلك: باريس.

لكن العملية لا تتوقف عند كلمة واحدة. فبعد توليد رمز، يعيد النموذج العملية لتحديد الرمز التالي، ثم الذي يليه، وهكذا حتى تتكون الإجابة. وتُسمى عملية استخدام النموذج المدرَّب لإنتاج إجابة جديدة الاستدلال (Inference).

💡 ببساطة: تخيل شخصًا قرأ عددًا هائلًا من النصوص، وأصبح بارعًا جدًا في ملاحظة الأنماط التي تربط الكلمات والأفكار بعضها ببعض.

عندما تعطيه بداية نص، يستطيع توقع ما يمكن أن يأتي بعده اعتمادًا على الأنماط التي تعلمها.

هذا التشبيه يساعدنا على فهم الفكرة الأساسية، لكنه لا يصف كل ما يحدث داخل النموذج؛ فالنماذج اللغوية الحديثة تستخدم شبكات عصبية وتقنيات رياضية معقدة لمعالجة السياق والعلاقات بين أجزاء النص.

كيف تتعلم النماذج اللغوية الكبيرة؟

تمر النماذج اللغوية الكبيرة بعملية تسمى التدريب (Training)، تستخدم خلالها كميات ضخمة من البيانات النصية وغيرها من البيانات بحسب النموذج.

وخلال مرحلة مهمة تسمى التدريب المسبق (Pre-training)، يتعلم النموذج من خلال محاولة توقع الرمز التالي في تسلسلات النص. وعندما تكون توقعاته غير صحيحة، تُعدَّل المعاملات الداخلية للنموذج تدريجيًا لتحسين أدائه. ومع تكرار هذه العملية مرات هائلة، يصبح النموذج أكثر قدرة على اكتشاف الأنماط والعلاقات الموجودة في البيانات.

وقد تتبع التدريب المسبق مراحل أخرى لتحسين قدرة النموذج على اتباع التعليمات وتقديم إجابات أكثر فائدة للمستخدم.

وهنا ينبغي الانتباه إلى نقطة مهمة: القول إن النموذج «يتعلم» لا يعني أنه يتعلم بالطريقة نفسها التي يتعلم بها الإنسان، وإنما يعني أن عملية التدريب تعدّل قيمًا رياضية داخل النموذج بحيث يصبح أفضل في أداء المهمة التي دُرِّب عليها.

ما الذي تستطيع النماذج اللغوية الكبيرة فعله؟

بعد تدريبها، تستطيع هذه النماذج تنفيذ العديد من المهام التي تعتمد على اللغة، مثل الإجابة عن الأسئلة، وكتابة النصوص وإعادة صياغتها، والتلخيص، والترجمة، وتصنيف النصوص واستخراج المعلومات منها، والمساعدة في كتابة الأكواد البرمجية وشرحها.

وهنا تكمن إحدى نقاط قوتها: فبدلًا من بناء برنامج منفصل لكل مهمة لغوية، يمكن استخدام النموذج نفسه في مهام كثيرة، ويحدد المستخدم ما يريده من خلال الأمر أو الموجّه (Prompt) الذي يقدمه إليه.

هل ChatGPT هو نفسه نموذجًا لغويًا كبيرًا؟

هذه نقطة يختلط فهمها على كثير من المبتدئين.

من المفيد التمييز بين النموذج والمنتج الذي نتفاعل معه. فالنموذج اللغوي هو المحرك الذكي الذي يعالج المدخلات ويسهم في توليد المخرجات، أما تطبيق المحادثة فهو المنتج الذي يتيح للمستخدم التفاعل مع نماذج الذكاء الاصطناعي، وقد يضيف إليها أدوات وخدمات وإمكانات أخرى.

يمكن تقريب الفكرة بتشبيه بسيط: النموذج يشبه المحرك، أما التطبيق فيشبه السيارة التي تستخدم هذا المحرك وتضيف إليه بقية الأنظمة التي يحتاج إليها المستخدم.

ولذلك ينبغي ألا نستخدم اسم التطبيق واسم النموذج وكأنهما يعنيان الشيء نفسه.

هل تفهم النماذج اللغوية اللغة كما يفهمها الإنسان؟

قد تبدو إجابات النموذج ذكية جدًا، وقد يستطيع متابعة حوار طويل أو شرح فكرة معقدة بطريقة مقنعة، لكن هذا لا يعني أن طريقة معالجته للغة مماثلة للطريقة التي يفهم بها الإنسان العالم.

النموذج يعتمد على تمثيلات رياضية وأنماط وعلاقات تعلمها من البيانات، ويستخدم السياق الذي يتلقاه لإنتاج مخرجات مناسبة. وطلاقة النص وحدها لا تكفي لإثبات أن للنموذج وعيًا أو فهمًا بشريًا.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن الإجابة المقنعة لغويًا ليست بالضرورة إجابة صحيحة.

هل تتذكر النماذج كل ما تدربت عليه؟

من الأخطاء الشائعة تصور النموذج اللغوي على أنه قاعدة بيانات ضخمة تحتوي على الكتب والمقالات التي تدرب عليها، ثم يبحث فيها ويستخرج الإجابة المناسبة.

هذه الصورة ليست دقيقة.

خلال التدريب تتغير المعاملات الداخلية للنموذج بحيث تمثل أنماطًا وعلاقات تعلمها من البيانات. وعند استخدامه، فإنه يولد الإجابة اعتمادًا على تلك العلاقات والسياق المتاح له، وليس بالطريقة نفسها التي يبحث بها محرك البحث عن صفحة مخزنة ثم يعرضها للمستخدم.

وهذا يساعدنا أيضًا على فهم سبب عدم وجوب التعامل مع النموذج اللغوي باعتباره مصدرًا معصومًا للمعلومات.

ما حدود النماذج اللغوية الكبيرة؟

على الرغم من قدراتها المدهشة، فإن هذه النماذج ليست مثالية. فقد تقدم معلومات غير صحيحة، أو تنتج إجابة تبدو منطقية وهي غير دقيقة، كما تتأثر جودة الإجابة بالسياق والتعليمات والمعلومات المتاحة للنظام.

وقد لا تكون المعلومات التي تعلمها النموذج أثناء التدريب هي أحدث المعلومات المتاحة. وفي بعض التطبيقات يمكن تعويض جانب من ذلك بإتاحة أدوات أو مصادر خارجية يستطيع النظام الرجوع إليها.

لذلك ينبغي استخدام الذكاء الاصطناعي كمساعد قوي، لا كمصدر وحيد للحقيقة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالمعلومات المهمة أو القرارات الحساسة.

أمثلة على النماذج اللغوية الكبيرة

هناك اليوم عائلات عديدة من النماذج التي تطورها شركات ومؤسسات مختلفة. ومن الأسماء التي قد يصادفها القارئ GPT وGemini وClaude وLlama وGranite وغيرها.

لكن المجال يتطور بسرعة كبيرة، وتظهر نماذج وإصدارات جديدة باستمرار؛ لذلك فإن الأهم للمبتدئ ليس حفظ أسماء النماذج، بل فهم الفكرة التي تقوم عليها النماذج اللغوية الكبيرة وكيف تختلف عن التطبيقات التي تستخدمها.

لماذا تعد النماذج اللغوية الكبيرة مهمة؟

تكمن أهميتها في أنها جعلت التعامل مع الحاسوب أكثر قربًا من اللغة الطبيعية. فبدلًا من الحاجة دائمًا إلى تعلم أوامر تقنية محددة، أصبح بإمكان المستخدم في كثير من التطبيقات أن يشرح ما يريده بلغته العادية.

وهذا يفتح الباب أمام استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم والعمل والبرمجة والبحث والكتابة وخدمة العملاء والعديد من المجالات الأخرى.

لكن سهولة استخدام هذه النماذج لا تعني أن علينا الوثوق بكل ما تنتجه.

الخلاصة

النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) هي نماذج ذكاء اصطناعي تُدرَّب على كميات ضخمة من البيانات لتتعلم الأنماط والعلاقات الموجودة في اللغة. وهي تتعامل مع النص على هيئة رموز (Tokens)، وتستفيد مما تعلمته ومن السياق المتاح لتوليد المخرجات تدريجيًا. وقد أتاحت هذه التقنية ظهور تطبيقات قادرة على الحوار والكتابة والتلخيص والترجمة والمساعدة في البرمجة وغيرها من المهام.

لكن يبقى سؤال مهم:

إذا كانت هذه النماذج بهذه القوة، فلماذا تقدم أحيانًا إجابات خاطئة تبدو صحيحة ومقنعة؟

هذا ما سنتعرف إليه في المقال القادم من سلسلة الذكاء الاصطناعي للمبتدئين:

لماذا يخطئ ChatGPT أحيانًا؟ وما هي الهلوسة في الذكاء الاصطناعي؟

أعزائي القراء، أرحب بكم في مدونة النائب للعلوم والتكنولوجيا، حيث نسعى إلى تقديم مقالات علمية وتقنية مبسطة وموثوقة، إسهامًا متواضعًا في إثراء المحتوى العربي وبناء مكتبة معرفية تخدم القارئ والباحث والمهتم بالعلوم والتكنولوجيا. نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل علمًا نافعًا، وأن ينفع به أبناء أمتنا العربية، وأن يوفقنا إلى كل خير، ويتقبل منا هذا الجهد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

مواضيع ذات صلة:

ما هو الذكاء الاصطناعي؟ شرح بسيط للمبتدئين

من الداخل: كيف يعمل ChatGPT ولماذا أصبح حديث العالم؟

ثورة المساعدات الذكية: كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة عملنا وتعلمنا

كيف تكتب أوامر (Prompts) احترافية لبرامج الذكاء الاصطناعي؟ دليل عملي للحصول على أفضل النتائج

ما الفرق بين الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، والتعلم العميق؟

ما الفرق بين ChatGPT وGemini وClaude وCopilot؟ دليل مبسط لاختيار أفضل مساعد ذكي

كيف يتعلم الذكاء الاصطناعي من البيانات؟

تعريف الإنترنت وأهميته للمستخدمين

الفرق بين الإنترنت والويب: شرح مبسط

بروتوكولات الإنترنت: ما تحتاج معرفته

أهمية بروتوكول TCP/IP في تبادل البيانات

ما هو النص المترابط وكيف يؤثر على الويب؟

ما هو المتصفح وكيف يعمل؟

نُشر بواسطة Dr. Ibrahim Nayeb

دكتوراه في الإقتصاد تخصص نظم المعلومات وبحوث العمليات- أستاذ في جامعة حلب/ كلية الإقتصاد

أضف تعليق